الشيخ الطبرسي

457

تفسير مجمع البيان

هند : إن أبا سفيان رجل ممسك ، وإني أصبت من ماله هنات ، فلا أدري أيحل لي أم لا . فقال أبو سفيان : ما أصبت من مالي فيما مضى ، وفيما غبر ، فهو لك حلال . فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعرفها فقال لها : وإنك لهند بنت عتبة ؟ قالت : نعم ، فاعف عما سلف يا نبي الله ، عفا الله عنك ! فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ولا تزنين . فقالت هند : أو تزني الحرة ؟ فتبسم عمر بن الخطاب لما جرى بينه وبينها في الجاهلية . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ولا تقتلن أولادكن . فقالت هند : ربيناهم صغارا ، وقتلتموهم كبارا ، وأنتم وهم أعلم . وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتله علي بن أبي طالب عليه السلام يوم بدر . فضحك عمر حتى استلقى ، وتبسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ولما قال : ولا تأتين ببهتان ، فقالت هند : والله إن البهتان قبيح ، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق . ولما قال : ولا يعصينك في معروف ، فقالت هند : ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شئ . وروى الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية ( أن لا يشركن بالله شيئا ) ، وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يد امرأة قط إلا يد امرأة يملكها . رواه البخاري في الصحيح . وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا بايع النساء ، دعا بقدح ماء ، فغمس فيه يده ، ثم غمسن أيديهن فيه . وقيل : إنه كان يبايعهن من وراء الثوب ، عن الشعبي . والوجه في بيعة النساء مع أنهن لسن من أهل النصرة بالمحاربة ، هو أخذ العهد عليهن بما يصلح من شأنهن في الدين ، والأنفس ، والأزواج . وكان ذلك في صدر الاسلام ، ولئلا ينفتق بهن فتق ، لما وضع من الأحكام ، فبايعهن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسما لذلك . ثم خاطب سبحانه المؤمنين فقال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ) أي لا تتولوا اليهود . وذلك أن جماعة من فقراء المسلمين ، كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين ، يتواصلون إليهم بذلك ، فيصيبون من ثمارهم ، فنهى الله عن ذلك ، عن المقاتلين . وقيل : أراد جميع الكفار أي لا تتخذوا كافرا من الكفار أولياء . ثم وصف الكفار فقال : ( قد يئسوا من الآخرة ، أي من ثواب الآخرة ( كما يئس الكفار من أصحاب القبور ) يعني أن اليهود بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، وهم يعرفون صدقه ، وأنه رسول ، قد يئسوا من أن يكون لهم في الآخرة حظ وخير ، كما يئس الكفار الذين ماتوا وصاروا في القبور ، من أن يكون لهم في الآخرة حظ ، لأنهم